سيد قطب
1187
في ظلال القرآن
كما تتكرر الإشارة إليها في الآية التالية لهذه الفقرة . « وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً - وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ - فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ . . . » . . فالأمر كله مرهون بمشيئة اللّه ، هو الذي شاء ألا يهديهم لأنهم لم يأخذوا بأسلوب الهدى ، وهو الذي شاء أن يدع لهم هذا القدر من الاختيار على سبيل الابتلاء ؛ وهو الذي يهديهم إذا جاهدوا للهدى ؛ وهو الذي يضلهم إذا اختاروا الضلال . . بلا تعارض - في التصور الإسلامي - بين طلاقة المشيئة الإلهية وهذا المجال الذي ترك للبشر لابتلائهم فيه بهذا القدر من الاختيار « 1 » . والحقيقة الثالثة : هي أن الطائعين والعصاة في قبضة اللّه سواء ، وتحت قهره وسلطانه سواء . فهم لا يملكون جميعا أن يحدثوا شيئا إلا بقدر اللّه وفق مشيئته التي جرت بتلك السنن في تصريف أمر العباد . . ولكن المؤمنين يطابقون - في القدر المتروك لهم للاختيار - بين الخضوع القهري المفروض عليهم لسلطان اللّه في ذوات أنفسهم وفي حركة خلاياهم وفي طبائع تكوينهم العضوي النفسي ؛ وبين الخضوع الاختياري الذي يلتزمونه بأنفسهم بناء على المعرفة والهدى والاختيار . وبذلك يعيشون في سلام مع أنفسهم ذاتها ، لأن الجانب القهري فيها والجانب الاختياري يتبعان ناموسا واحدا وسلطانا واحدا وحكومة واحدة ! فأما الآخرون فهم مقهورون على اتباع ناموس اللّه الفطري الذي يقهرهم ولا يملكون أن يخرجوا منه في تكوينهم الجسمي وحاجاتهم الفطرية ، بينما في الجانب الذي ترك لهم الاختيار فيه هم ناشزون على سلطان اللّه الممثل في منهجه وشرعه . أشقياء بهذا الفصام في شخصيتهم ! وهم بعد هذا كله في قبضة اللّه لا يعجزونه في شيء ، ولا يحدثون شيئا إلا بقدره ! وهذه الحقيقة الثالثة ذات أهمية خاصة في القضايا التي يعرضها الشطر الباقي من السورة . فهي تتكرر في مواضع متعددة في صور متنوعة ، ذلك أن هذا الشطر كله - كما بينا من قبل - يواجه قضية الألوهية وسلطانها في حياة البشر وشريعتهم التي يعيشون بها . . ومن ثم يتكئ السياق على تقرير أن السلطان كله للّه . حتى في كيان العصاة الناشزين عن منهج اللّه وشرعه ، وأنهم لا يؤذون أولياء اللّه إلا بما شاء اللّه . فهم أعجز من أن يكون لهم في ذواتهم سلطان ، فكيف يكون لهم على المؤمنين سلطان ! إنما هي مشيئة اللّه يكون بها ما يشاء في الطائعين والعصاة سواء . قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى : « وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى ، وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ، ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا - إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ - وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ » . . ( يقول - تعالى ذكره - لنبيه محمد - صلى اللّه عليه وسلم - يا محمد آيس من فلاح هؤلاء العادلين بربهم الأوثان والأصنام ، القائلين لك : « لئن جئتنا بآية لنؤمنن لك » فإننا لو نزلنا إليهم الملائكة حتى يروها عيانا وكلمهم الموتى بإحيائنا إياهم حجة لك ، ودلالة على نبوتك ، وأخبروهم أنك محق فيما تقول ، وأن ما جئتهم به حق من عند اللّه ؛ وحشرنا عليهم كل شيء فجعلناهم لك قبلا « 2 » . ما آمنوا ولا صدقوك ولا اتبعوك - إلا أن يشاء اللّه ذلك لمن شاء منهم - « وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ » . . يقول : ولكن أكثر هؤلاء المشركين يجهلون
--> ( 1 ) يراجع فصل : « التوازن » في كتاب : « خصائص التصور الإسلامي ومقوماته » القسم الأول . « دار الشروق » ( 2 ) يعنى مواجهة .